القاضي عبد الجبار الهمذاني

113

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وأدّاهم ذلك إلى العقاب الدائم ، كان الضرر الّذي فيه يوفى على قدر النفع به في الحال ، فلا يكون نصرة « 1 » ؛ بل بأن يكون نصرة للمؤمنين - وإن غلبوا - أولى ؛ لأنه تعالى شدّد المحنة عليهم عند ذلك ، وضمن لهم الثواب العظيم على تكلف المجاهدة وشدّة المصابرة . فهم وإن لحقهم ضرر وغمّ ، فذلك في المعنى يقع من حيث يؤدّى إلى الثواب ، كما نقوله في نفس الطاعة الشاقة « 2 » . وأما الأمور التي يحصل المكلف عندها ملجأ إلى أن لا يفعل المعصية « 3 » ، أو يفعل ما يجرى مجرى الطاعة فلا تعدّ في اللطف / ؛ لأن اللطف عبارة عما يختار المكلف عنده فعل ما كلف فعله ، أو الانتهاء مما كلف الانتهاء عنه ؛ والإلجاء يمنع من ذلك . فلهذا لا يصح أن يقال : إن معرفة الإنسان بما عليه في قتل نفسه « 4 » ، والإسعاط بالخردل « 5 » ، والوقوف عند النار المحرقة إلى غير ذلك يكون لطفا ؛ لأن هذه الأمور تحصل عندها على وجه الوجوب لثبوت الإلجاء ، وعلى وجه تباين صفته عندها صفة المكلف . فإن قال : أفلستم تقولون إن من اعتقد في قتل نفسه أنه ينفعه كأهل الهند ، لا بدّ من أن يكلفوا ترك هذا القتل ؟ قيل له : متى كانت الحال هذه زال الإلجاء ، ولا يمنع في بعض الأمور أن يكون لطفا في تركهم قتل أنفسهم . فإن قال : أوليس المرتدّ الّذي للإمام أن يقتله عند الاشتباه يعرض عليه الرجوع إلى الإيمان ، ويعرّف أنه إن لم يفعل ذلك يقتل . أفليس يحصل ملجأ

--> ( 1 ) أي فلا يكون نصرة للكفار . ( 2 ) لأن الطاعة الشاقة فيها ألم وفيها ثواب . ( 3 ) يريد وأما الأمور التي يلجأ فيها المكلف إلى ترك المعصية . ( 4 ) هكذا في الأصل ، ولعل المراد معرفته بالأمور التي تؤدّى إلى قتله نفسه . ( 5 ) سعط الدواء أدخله في أنفه ، والسعوط دهن الخردل .